وزير الخارجية يقود دبلوماسية السلام لدعم تعافي غزة
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقدم الدبلوماسية المصرية بخطى محسوبة، واضعةً إعادة إعمار غزة وتعافيها في صدارة الأولويات، ضمن رؤية أوسع تربط بين وقف الصراع وبناء السلام المستدام. هذا ما عكسته تحركات وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، الدكتور بدر عبد العاطي، خلال لقائه مع نظيره الجزائري أحمد عطاف، على هامش تواجده في تونس، في لقاء حمل رسائل سياسية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية إلى قلب الملفات الإقليمية الملتهبة.
اللقاء جاء ليؤكد عمق العلاقات التاريخية بين مصر والجزائر، حيث شدد الوزير عبد العاطي على اعتزاز القاهرة بروابط الأخوة التي تجمع البلدين، والحرص المشترك على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، بما يخدم المصالح المتبادلة للشعبين الشقيقين، ويواكب التحديات الإقليمية المتسارعة.
وعلى صعيد القضايا الإقليمية، برز ملف قطاع غزة باعتباره أولوية قصوى، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية وتداعيات العدوان. وأكد وزير الخارجية ترحيب مصر بمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتدشين «مجلس السلام»، معتبرًا أن المضي قدمًا في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية يمثل ضرورة حتمية للانتقال من مرحلة وقف إطلاق النار إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وأوضح عبد العاطي أن نجاح هذه المرحلة يتطلب دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ونشر قوة استقرار دولية لمراقبة وقف إطلاق النار، إلى جانب ضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، بما يضع أسسًا واقعية لإعادة بناء القطاع وإنهاء معاناة المدنيين.
التحرك المصري لم يقتصر على غزة، بل امتد إلى الملف الليبي، حيث تبادل الوزيران الرؤى حول مستجدات الأوضاع، مع تأكيد مصر دعمها الكامل لمسار التسوية السياسية الشاملة، بما يحفظ وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، ويضمن أن تكون العملية السياسية نابعة من إرادة ليبية خالصة، بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
كما شدد وزير الخارجية على ضرورة تهيئة المناخ لإجراء الاستحقاقات الانتخابية بشكل متزامن، باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء حالة الانقسام وتحقيق الاستقرار، وهو ما يتقاطع مع الرؤية الجزائرية، ويعكس تنسيقًا متقدمًا بين البلدين.
وفي هذا الإطار، أكد الجانبان أهمية آلية التشاور الثلاثي بين مصر وتونس والجزائر، بوصفها منصة محورية لتوحيد المواقف وتكثيف الجهود لدعم استقرار ليبيا، انطلاقًا من مسؤولية دول الجوار المباشر تجاه أمن المنطقة.
أما الملف السوداني، فقد حظي باهتمام واضح خلال اللقاء، حيث شدد عبد العاطي على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، تمهيدًا لوقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية، مع التأكيد على موقف مصر الثابت الداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
بهذا التحرك المتوازن، تؤكد مصر مجددًا أنها لاعب إقليمي محوري، لا يكتفي بإدارة الأزمات، بل يسعى إلى بناء مسارات سياسية قابلة للحياة، تضع الإنسان في صدارة الأولويات، وتربط بين السلام والتنمية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة في منطقة أنهكتها الصراعات.






